لم تحمل مباراة إنجلترا وغانا أهدافاً أو إثارة هجومية كبيرة لكنها كشفت عن الكثير من التفاصيل التكتيكية بعد ما فرض المنتخب الغاني تعادلاً سلبياً ثميناً على “الأسود الثلاثة” في الجولة الثانية من دور المجموعات بكأس العالم 2026 وهي نتيجة وضعت المنتخبين على أعتاب التأهل إلى الأدوار الإقصائية بعدما رفع كل منهما رصيده إلى أربع نقاط.
ورغم أن المباراة انتهت دون أهداف فإنها قدمت نموذجاً واضحاً للصراع بين الاستحواذ الإنجليزي والانضباط الدفاعي الغاني كما أثارت عدة تساؤلات حول اختيارات المدرب الألماني توماس توخيل خاصة في الخط الأمامي.
نقطة تقرب المنتخبين من دور الـ32
فرض التعادل نفسه على مواجهة المنتخبين ليقترب كل منهما من حسم بطاقة العبور إلى الأدوار الإقصائية إذ أصبح رصيد إنجلترا وغانا أربع نقاط بعد تحقيق الفوز في الجولة الأولى والتعادل في الثانية ما يمنحهما أفضلية كبيرة قبل الجولة الختامية.
كما واصل المنتخب الإنجليزي سلسلة تاريخية طويلة بعدما فشل مجدداً في تحقيق العلامة الكاملة بدور المجموعات لتبقى نسخة كأس العالم 1982 المناسبة الوحيدة التي نجح خلالها في الفوز بجميع مبارياته في مرحلة المجموعات خلال بطولة كبرى.
وعلى الجانب الآخر منح التعادل الكرة الأفريقية نتيجة إيجابية جديدة أمام المدارس الأوروبية ليواصل ممثلو القارة السمراء تقديم مستويات تنافسية أمام كبار القارة العجوز.
غانا تكسب المعركة التكتيكية
ورغم تفوق إنجلترا في الاستحواذ ومحاولات السيطرة على مجريات اللقاء فإن المنتخب الغاني نجح في فرض السيناريو الذي أراده مدربه البرتغالي كارلوس كيروش.
واعتمد كيروش على رسم تكتيكي أقرب إلى 4-5-1 مع تكتل دفاعي عميق وإغلاق تام للمساحات في العمق الأمر الذي حرم هاري كين ورفاقه من الوصول إلى مناطق الخطورة.
وشهد الشوط الأول رقماً لافتاً بعدما أصبح أول شوط في كأس العالم 2026 لا يشهد أي تسديدة بين القائمين والعارضة في مؤشر واضح على النجاح الدفاعي للمنتخب الغاني أكثر من كونه انعكاساً لضعف هجومي إنجليزي.
ولم يسع منتخب “النجوم السوداء” إلى فرض الاستحواذ أو مجاراة إنجلترا في تبادل الكرات بل اكتفى باللعب وفق فلسفة كيروش الشهيرة التي تعتمد على الصبر الدفاعي وإجبار المنافس على المعاناة في صناعة الفرص.
بصمة كيروش المعتادة
لطالما ارتبط اسم كارلوس كيروش بأسلوب دفاعي صارم يطلق عليه البعض “كرة المعاناة” وهو النهج الذي يعتمد على تضييق المساحات والضغط في المناطق الحاسمة وإجبار المنافس على ارتكاب الأخطاء أو فقدان الصبر.
هذا الأسلوب ظهر بوضوح أمام إنجلترا حيث نجح لاعبو غانا في التعامل مع أغلب المحاولات الإنجليزية سواء من خلال التمركز الجيد أو التفوق في المواجهات الفردية.
وفي أكثر من لقطة ظهر الالتزام الدفاعي بصورة مثالية إذ اندفع ثلاثة لاعبين دفعة واحدة لإغلاق زاوية التسديد أمام هاري كين بينما حاصر أربعة مدافعين نوني مادويكي داخل منطقة الجزاء ليصبح الوصول إلى مرمى غانا مهمة شديدة التعقيد.
كما قدم الظهير مارفن سينايا مباراة قوية أمام أنتوني جوردون في حين فرض جيديون مينساه رقابة ناجحة على الجبهة الأخرى وأجبر لاعبي إنجلترا على اللجوء إلى العرضيات البعيدة غير المؤثرة.
جوردون يخسر الرهان
أحد أبرز علامات الاستفهام في تشكيل توماس توخيل تمثلت في الاعتماد على أنتوني جوردون أساسياً في الجبهة اليسرى وهو القرار الذي لم يؤت ثماره خلال المباراة.
ولم يتمكن جناح نيوكاسل من صناعة الفارق إذ بدا بطيئاً في التعامل مع الرقابة المفروضة عليه كما فضّل التحرك نحو العمق المزدحم بدلاً من استغلال المساحات على الطرف ما تسبب في فقدانه الكرة أكثر من مرة.
وزادت معاناة الجبهة اليسرى مع مشاركة جيد سبينس كظهير أيسر حيث لعب الثنائي بقدمه اليمنى وهو ما أفقد الهجمات الإنجليزية عنصر التنوع والانطلاقات الطبيعية على الخط.
وحصل جوردون على فرصته الوحيدة تقريباً قبل خروجه من الملعب عندما سدد كرة ضعيفة من خارج منطقة الجزاء وصلت بسهولة إلى الحارس.
راشفورد يطرق باب التشكيل الأساسي
وأعادت المباراة الجدل حول أحقية ماركوس راشفورد بالمشاركة أساسياً خاصة في ظل التراجع الواضح لمستوى جوردون.
وبدا أن توخيل أدرك الحاجة إلى تعديل الشكل الهجومي فقام بتغيير بعض المراكز وإشراك نيكو أورايلي مع نقل نوني مادويكي إلى الجهة اليسرى وهو ما منح المنتخب الإنجليزي قدراً أكبر من الحيوية في الدقائق الأخيرة.
ورغم التحسن النسبي لم ينجح المنتخب الإنجليزي في فك الشفرة الدفاعية التي وضعها كيروش ليكتفي بنقطة قد تكون كافية لبلوغ دور الـ32 بينما خرج المنتخب الغاني بانتصار معنوي أكد قدرته على منافسة الكبار.

تعليقات