حددت وزراة الأوقاف المصرية موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافقة 5 ديسمبر 2025، والتي توافق 14 جمادي آخر 1447هـ ، وذلك ضمن مبادرة “صحح مفاهيمك”.
وتأتي الخطبة بعنوان”العقول المحمدية، حيث تهدف إلي التوعية بضرورة التفكير الإيجابي وإعمال العقل والآثار الوخيمة للتَّفكير السَّلبي، أما موضوع الخطبة الثانية يأتي ليحذر من التشكيك والحيرة ونشر روح التشاؤم في كل شيء.
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أوصل الفَهم إلى عقول ذوي البصائر فلا تعتمد إلا عليه، وأورد حياض المودة نفوس أهل المحبة فلا تحنُّ إلا إليه، وأصلي وأسلم على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فإن العقول المحمدية هي تلك العقول التي رَعَتها المفاهيمُ القرآنية، وصاغتها أنوار النبوة، شيئًا فشيئًا، حتى إذا تكاملت بهذه المعاني ونضجت ورقت واستوت؛ آتت ثمارها وأُكُلها تفكيرًا إيجابيًّا يعود بالنفع على صاحبه وعلى ذويه، ومن ثمَّ على المجتمع الذي يحيا فيه، لا تفكيرًا سلبيًّا ينعى صاحبه على نفسه ومجتمعه والظروف من حوله، فهي عقول تبني ولا تهدم، وتُعين ولا تُعيق، لا تعرف ذمَّ النفس ولا لعن الظروف، ولا تستسلم للأفكار السلبية التي تجرُّ المرء إلى الشكوى والعجز، بل ترتقي به إلى ميادين العمل والإصلاح واليقين.
وإليك طرفًا من النصوص القرآنية والآثار النبوية التي توضح كيف تُبنى العقول وتُعلَّم التفكير الصحيح الإيجابي، وتُجنَّب التفكير السلبي.
إن القرآن يوجّهنا بهذا المثل إلى أن قيمة الإنسان ليست في وجوده المادي، بل فيما يقدّمه من نفع، وما يقوم به من عدل، وما يسير عليه من هداية؛ وأن العجز الحقيقي هو عجز الفكر والإرادة، لا عجز الجوارح.
وهكذا تأتي الأمثال القرآنية لتصنع فينا عقلًا بصيرًا، يبصر الحق من الباطل، والنافع من الضار، ويهدي النفس إلى أن تكون عنصر بناء وإصلاح، لا عبئًا يثقل كواهل الآخرين.
من يمعن النظر في آيات الكتاب الحكيم، وسنة خاتم المرسلين؛ يجد أن هناك أسسًا للتفكير الإيجابي أودعت في نصوص هذا الوحي المبارك.
قدَّمت السنة النبوية المطهرة منهجًا راسخًا في صناعة التفكير الإيجابي، وتحرير النفس من الفتور والانهزام الداخلي، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد العناية بسلامة الباطن قبل ظاهر الجوارح، يربّي أصحابه على قوة الإرادة، وحسن التوجّه، ونبذ كل ما يورث الوهن أو يغذي مشاعر العجز.
فمنهج الانتحار هو الذى يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير.
ومنهج الانبهار بالآخر مآله غالبا التعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص، فيقع بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هُوية الإسلام، أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة وهذا أيضاً منهج مرفوض.
ومنهج الانحسار الانعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض أيضا، باعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة.
أما منهج الاجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكا يحاكي صورتها دون الوقوف عند مناهج التراث والتجريد أمامها، حتى يمكن تطويرها إن احتاجت إلى تطوير، أو الاستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك، فهو منهج ماضوي -إن صح التعبير- يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرا من الناس يخرجون من دين الله أفواجا لظنهم أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع.
أما منهج الاغترار فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا أنفسهم فى مجال الكلام في الشرع الشريف تشهيا لإصلاح الدين بزعمهم تارة، أو للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضا عند الدارسين للدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظنٍّ لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في العلم، حيث يعتقدون أن لهم الحقَّ فى تجديد الدين غافلين عن قلة بضاعتهم الشرعية من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى.
الخطبة الثانية
إن التشكيك المفرط، والـحَيْرة المستمرة، ونشر روح التشاؤم من أخطر الظواهر السلبية التي تؤثر على الأفراد والمجتمعات، فتقضي على الأمل وتحبط الإرادة، وتخلق بيئة نفسية واجتماعية ملبدة بالسلبية، تعوق التقدم والتنمية.
وتسعى مبادرة “صحح مفاهيمك” إلى مواجهة هذا السلوك الخاطئ، من خلال تفكيك المفاهيم المغلوطة المرتبطة به، وتسليط الضوء على الأضرار الجسيمة التي تنتج عنه، وتوجيه المجتمع إلى المفاهيم الصحيحة.
وفي علاج التشكيك والحيرة نقول: جاء الإسلام باليقين وطرد الشك وروح التشاؤم، واليقين في كلام العلماء لهم فيه أقوال كثيرة، تدور في مجموعها حول الإيمان الذي لا يداخله شك، ولا يزعزعه ريب، ولا تدخله شبهة:
وقد قال العلماء في الفرق بين العلم واليقين: أن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، واليقين هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين، ويقال: ثلج اليقين وبرد اليقين، ولا يقال: ثلج العلم وبرد العلم.
إن مواجهة الشـكوك والحيرة ليسـت مهمة سـهلة، ولكنها ليسـت مسـتحيلة، إهنا تتطلب منا جميع ً ا، أفرادا ومجتمعـات، أن نكـون علـى قـدر المسـئولية، وأن نعمـل جاهديـن علـى تعزيز اليقيـن يف قلوبنا وقلـوب أبنائنا، 20 وأن نحصـن عقولهـم بالمعرفـة الصحيحـة، وأن نربيهـم علـى القيـم اإليمانية السـليمة، واهلل أسـأ
نقلاً عن : الجمهور الاخباري

تعليقات