أسرار الحضارة المصرية بين الأمواج.. رحلة إلى كنوز المدينة الغارقة بالإسكندرية

أسرار الحضارة المصرية بين الأمواج.. رحلة إلى كنوز المدينة الغارقة بالإسكندرية

في أعماق البحر، حيث تختلط الأمواج بالصمت، تختزن المياه أسرار حضارات كانت تتألق على الأرض ثم اختفت في لحظة، تاركة وراءها ألغازًا لا يجرؤ الزمن على كشفها بسهولة.

فالمدينة الغارقة قرب شواطئ الإسكندرية، ليست مجرد بقايا حجرية أو تماثيل طافية بين الرمال؛ إنها مرآة الزمن التي تعكس طبيعة الإنسان في مواجهة المصير، وحقيقة أن العظمة ليست محمية من الزوال، وأن ما يبنيه الإنسان قد يبتلعه الماء، لكنه لا يمحو من الذاكرة الإنسانية.

هل الغرق نهاية أم بداية جديدة

ليبقى السؤال هل يمكن للحضارات أن تختفي فعليًا، أم أن أثرها يبقى حيًا في الوعي الجماعي؟ وهل الغرق نهاية أم بداية جديدة لفهم الماضي؟ المدينة الغارقة ليست مجرد كنز أثري، بل رمز للتاريخ الذي يختفي أمام أعيننا، ولكنه يظل حاضرًا في أسراره، وفي القصص التي نرويها عنه.

ومن بين اعظم الأسرار مدينة هرقليون التي ابتلعتها مياه البحر الأبيض المتوسط قرب سواحل الإسكندرية، فتلك المدينة لمصرية القديمة عاشت وازدهرت قبل أكثر من 2500 عام بالقرب من دلتا النيل، قبل أن تختفي تحت المياه بفعل ارتفاع مستوى البحر والتغيرات الجيولوجية والزلازل التي شهدتها المنطقة.

نافذة على حضارة غارقة

لم يتم اكتشاف المدينة إلا في نهاية القرن العشرين، حين لاحظ عدد من الغواصين ظهور وجوه ومنحوتات تبرز من أعماق المياه في منطقة أبو قير.

وعلى إثر ذلك، تم استقدام فريق من علماء الآثار البحرية بقيادة الباحث الفرنسي فرانسوا ديروش، الذي كشف عن مدينة كاملة غمرتها المياه على عمق يزيد عن 6 كيلومترات، وأظهرت الاكتشافات أن هرقليون كانت مركزًا تجاريًا وميناءً رئيسيًا يربط مصر ببقية حضارات البحر المتوسط في ذلك العصر.

أهم ما تم العثور عليه

أظهرت عمليات التنقيب والاكتشافات البحرية في هرقليون عددًا من القطع والمعالم التي توثق الحياة الدينية والتجارية والسياسية للمدينة القديمة، منها معابد ضخمة مخصصة لعبادة الآلهة المصرية، أبرزها معبد الإلهة إيزيس، إضافة إلى معبد كبير للإله آمون والإله خونسو يعود إلى العصر البطلمي.

وكذا تماثيل أثرية ضخمة يصل ارتفاع بعضها إلى حوالي 16 قدمًا، من بينها تماثيل لملوك وآلهة البطالمة، مع بعض التوابيت الملكية، بالاضافة إلى سفن خشبية قديمة، حيث عُثر على حوالي 64 سفينة كاملة تقريبًا، بالإضافة إلى أكثر من 700 مرسى، تكشف أساليب الملاحة والتجارة البحرية في ذلك العصر.

وقطع نقدية وفخارية وأوانٍ متنوعة تعود للعصر البطلمي، وتوثق الحياة اليومية والاقتصادية للمدينة، كما تم اكتشاف مجوهرات ذهبية ولوحات حجرية ونقوش هيروغليفية تروي طقوسًا دينية وحياة المواطنين في هرقليون.

أهمية هرقليون التاريخية والأثرية

تُعد هرقليون مرجعًا مهمًا لفهم تاريخ مصر القديمة بين القرن السابع قبل الميلاد والقرن الرابع قبل الميلاد، إذ تكشف الاكتشافات تطور التجارة البحرية والموانئ المصرية، والطقوس الدينية وممارسات عبادة الآلهة.

بالاضافة إلى الهندسة المعمارية وأساليب البناء القديمة، وكيفية مواجهة المصريين القدماء لتحديات البيئة البحرية.

كما تعتبر المدينة الغارقة دليلًا على تفاعل الإنسان المصري القديم مع البحر، ومرجعًا لاكتشاف طرق الملاحة البحرية القديمة وأساليب تخزين البضائع ونقلها.

أسطورة الغرق بين الحقيقة والخرافة

لا يزال سبب غرق هرقليون أحد أكثر الألغاز التي حيّرت الأثريين وعلماء الجيولوجيا، حيث يُرجح أن ارتفاع منسوب البحر، الزلازل والانهيارات الأرضية لعبت دورًا كبيرًا في اختفاء المدينة.

وتروي الأساطير الشعبية عن هرقليون باعتبارها رمز الغموض والكنوز المفقودة، ما منحها صيتًا عالميًا وجعلها مصدر إلهام للباحثين وعشاق التاريخ البحري.

كنز عالمي للغوص والاستكشاف

اليوم، تعتبر هرقليون واحدة من أهم مواقع الغوص الأثري في العالم، إذ تجمع بين الغوص الرياضي والاكتشاف العلمي؛ وتتيح للزوار رؤية المعابد الغارقة، التماثيل، السفن والمجوهرات، كما يمكن أخذ صور تذكارية مع مشاهد تاريخية فريدة تحت المياه.

وتستمر بعثة علماء الآثار في توثيق الحياة التجارية والدينية والسياسية للمدينة، وإثراء المكتبة العالمية بالمعلومات حول حضارة مصر القديمة تحت البحر، بما يعكس روعة وتقدم الحضارة المصرية قبل آلاف السنين.

الإسكندرية أرض الحكايات الأسطورية

وفي النهاية تظل الإسكندرية، ببرّها وبحرها، أرضًا تحمل حكايات لا تنتهي، فمدينة هرقليون الغارقة، التي تمتد إلى القرنين السابع والثامن الميلادي، وما تم اكتشافه في أعماق شاطئ أبو قير في تسعينات القرن العشرين، تذكّرنا بعظمة حضارة ضاعت تحت الماء لكنها تركت إرثًا خالدًا في التاريخ الإنساني.

نقلاً عن : الجمهور الاخباري

مها أحمد، كاتبة متميزة في قسم المنوعات، تمتلك موهبة في تقديم محتوى متنوع وجذاب يلامس اهتمامات القراء في مختلف المجالات. من خلال أسلوبها السلس والإبداعي، تغطي مها مواضيع شاملة تتراوح بين الثقافة والفن، الصحة، السفر، ونمط الحياة. تسعى مها إلى تقديم مقالات ممتعة ومفيدة تضيف قيمة إلى تجربة القارئ اليومية، وتعكس شغفها بنقل الأفكار الجديدة والنصائح العملية التي تهم كل أفراد الأسرة.