لطالما أسرّ التاريخ الإنساني بالغموض، وجذبتنا الموروثات القديمة بما تحمل من أسرارٍ لم تُفك شيفرتها بعد. ومن بين هذه الموروثات، تبرز لعنة الفراعنة كرمزٍ حيّ للغموض الذي يحيط بالموت والحياة، بالزمن الذي لا يرحم، والقوة التي تظل مختبئة وراء صمت القبور.
لعنة الفراعنة
إن الحديث عن لعنة الفراعنة ليس مجرد سرد لحوادث غامضة أو قصص خيالية؛ بل هو تأمل في حدود الإنسان أمام المجهول، في الرهبة التي يثيرها المجهول في أعماق النفس، وفي ذلك التلاقي بين الواقع والعاطفة، بين التاريخ والخيال.
فالقبور المصرية، المغلقة منذ آلاف السنين، لم تكن مجرد أماكن دفن؛ بل كانت رمزًا للسلطة المطلقة، للطبيعة، وللموت نفسه؛ وكل محاولة لفتح هذه الأبواب الموصدة، تذكّر الإنسان بحدوده، وتثير التساؤل: هل هناك فعلًا لعنة حقيقية، أم أن عقولنا البشرية تميل دائمًا إلى نسج الأساطير عندما تواجه المجهول؟
لعنة الفراعنة إذن ليست مجرد تحذير من الموت، بل مرآة فلسفية تعكس صراع الإنسان مع الخوف، مع المعرفة، ومع الرغبة المستمرة في كشف الأسرار التي قد تكون فوق طاقته.
إنها رحلة بين الواقع والأسطورة، بين العلم والتصورات الروحية، رحلة تدعونا للتأمل في معنى الحياة والموت، وفي حدود سلطة الإنسان على الزمن والتاريخ.
وفي ذلك الصدد نكشف أسطورة التابت الأسود في الإسكندرية والذي أثار ضحة منذ اكتشافه في يوليو2018.
بدأت القصة أثار اكتشافِ تابوتٍ ضخمٍ من الجرانيت الأسود أثناء أعمال بناء في منطقةٍ سيدى جابر بالإسكندرية ما تسبب في ضجّةً محليةً ودولية.
لم يقتصر الاهتمام على حجمه وتركيبه فحسب، بل امتدّ سريعًا إلى تكهّناتٍ شعبية عن «لعنةٍ» قد تُطلَق لو فُتح؛ ما دعا الفريق الأثري إلى التعامل مع الملف بحذر علمي واحترافي.
حيّ سيدي جابر
بدأت القصة حينما عثرت السلطات الأثرية على التابوت في حيّ سيدي جابر بالإسكندرية أثناء أعمال حفرٍ تحت مبنى.
أُعلن أن التابوت يعود إلى العصر البطلمي (الفترة المتأخرة من الحقبة الهلنستية، تقريبًا بين القرن الرابع والقرن الأول قبل الميلاد)، وهو ما جعل التكهّنات حول صاحب القبر واحتمال ارتباطه بشخصية مرموقة مكثفةً.
تابوت نهاية العالم
وُصف التابوت بأنه مصنوع من الجرانيت الأسود وثقيل الوزن — تُراوح التقديرات بين نحو 27 إلى 30 طناً — وهو من أكبر التوابيت المكتشفة في الإسكندرية حتى تاريخه.
فعلى بعد خمسة أمتار فقط من سطح الأرض، وداخل مقبرة أثرية، تم العثور على تابوت حجرى ضخم من أكبر التوابيت التى عُثر عليها فى الإسكندرية.
التابوت مصنوع من الجرانيت الأسود، والذى كان يُنقل من أسوان إلى الإسكندرية، بأبعاد حوالى طول 2.75 متر × عرض 1.65 متر، وبارتفاع 1.85 متر. ويبلغ وزن التابوت حوالى 30 طنًا تقريبًا؛ ما يجعله يفوق في ضخامته العديد من الاكتشافات المحلية.
الغطاء المختوم
أفاد الأثريون بوجود طبقة من المونة (مادة تحشية) بين غطاء التابوت وجسده، ما يشير إلى أنه ظلّ مُختومًا لآلاف السنين ولم يُفتح منذ الدفن.
هذا الختم أثار فضولًا علميًّا وإعلاميًّا على حدٍّ سواء، من جهة لأنه يوفّر فرصة استثنائية لدراسة محتوياتٍ لم تُعرّض للعوامل الجوية لقرون، ومن جهةٍ أخرى لأن الغموض يُغذي سرعة انتشار القصص والأساطير.
هياكل عظمية ومياه آثمة
في 19 يوليو 2018 فتحت البعثة غطاء التابوت بخطوات مُحكمة، لتكشف عن مفاجأةٍ أقلّ إثارةً للخرافات ممّا تصوّر الجمهور، ثلاث هياكل عظمية في حالة تحلل متقدّم، وغليانٌ من مياهٍ ملوثةٍ (وُصفت بأنها مياه صرف صحي أو مياه ركّدت داخل التابوت) أتلفت الأنسجة العضوية وأنتجت رائحةً كريهةً قويةً، وهو ما فسّر الحالة الرديئة للرفات.
أحد الجمجمة أظهر علامات كسر أو جرح قد يعود لإصابةٍ عنيفة — بعض التحليلات الأولية عدّت أن أثرًا يشبه إصابة بسهم أو أداة حادة.
فرضيات عن هوية المدفونين ووظيفتهم
المسؤولون في وزارة الآثار اقترحوا مبدئيًا أن المكونات قد تمثّل دفنًا عائليًا أو دفنًا لعدة أفراد من دائرةٍ واحدة (ربما أفرادًا لهم علاقة عسكرية أو رسمية)، استنادًا إلى قرب الرفات من بعضهما وغياب موادٍ ثمينة واضحة.
وجود إصابةٍ في إحدى الجماجم دفع البعض إلى اقتراح احتمال أن يكون أحدهم مقاتلًا أو ضحية صراع؛ غير أنّ قلة النقوش والغياب النسبي للآثار المكتوبة ضمن التابوت حدّا من إمكانية التأكيد على هوية أصحاب القبر أو رتبهم الاجتماعية من دون فحوص مخبرية متقدّمة.
رأسٍ من الألبستر
قُرب التابوت وُجد قطعٌ أثريةٌ إضافية — من أبلغها ما وُصف بأنه تمثالٌ رأسي صغير من الألبستر يُحتمل أنّه يمثل صاحب القبر أو أحد المقربين منه.
وجود مثل هذا العنصر أعطى العلماء دلائلًا فنية على تاريخ القطعة وطرازها الفني، وربطتها بالذوق الهلنستي الذي ساد في الإسكندرية خلال الحقبة البطلمية.
لعنة التابوت
تصاعد السرد الأسطوري استمد قوته من صور الغرابة (تابوت أسود ضخم، مياه عفنة، هياكل عظمية) ومن تاريخ الإسكندرية نفسه كمهدّ لأساطير عن فرعونٍ أو قائدٍ عظيم.
لا لعنة بل عوامل بيئية وميكروبيولوجية
العلماء والأثريون حسموا نقطتين أساسيتين، الأولى أن وجود المياه داخل تابوتٍ مغلقٍ يشير إلى تسرّب أو إلى أن التابوت وُضع في بيئةٍ رطبة سمحت بتجمع السائل، ما أدى إلى تحلل الأنسجة؛ والثانية أن الروائح والأمراض المرتبطة بالتحلل يمكن أن تثير خيالات الناس وتغذّي أسطورة “اللّعنة”.
كما أُشير إلى احتمالية وجود بكتيريا أو فطريات قد تُصيِب الأشخاص المعرضين في ظل ظروفٍ غير محكمة لكنّ لا دلائل علمية تدعم فكرة أثر خارق أو “لعنة” بالمعنى الميتافيزيقي.
بين الحقيقة والأسطورة
التابوت الأسود في الإسكندرية، بعمقه التاريخي وحجمه المرعب بالنسبة للمارة، جمع بين عناصر جذابة للأسطورة، حجارة سوداء، قبور مختومة، رائحةٍ كريهة، هيكلان أو ثلاثة، وغطاءٌ قديم لم يُكشف عنه لقرون.
لكن الرواية الأثيرة للعين والخيال لا تغني عن العمل العلمي، ما وُجد داخل التابوت يعكس واقعًا بشريًا بسيطًا ومأساويًا (وفاة ودفن)، وليس بالضرورة دليلاً على لعنةٍ غيبية.
الحقائق المختبرة بالمختبرات والتحاليل اللاحقة وحدها تستطيع أن تقرّبنا أكثر من معرفةٍ من كانوا هؤلاء وما كانت قصّتهم على الأرض.
أسطورة الموت
وفي النهاية، تبقى لعنة الفراعنة أكثر من مجرد أسطورة عن موتٍ وغموض؛ فهي انعكاس لخوف الإنسان من المجهول، وتجسيد لرهبة ما وراء القبور، ورمز للقوة التي تتحدى الزمن. القبور المغلقة، والتماثيل الصامتة، والنقوش الغامضة، كلها تذكّرنا بأن هناك حدودًا لما نستطيع فهمه أو التحكم فيه.
قد تكون اللعنة حقيقية، وقد تكون خيالًا بشريًا صنعه العقل حين يواجه الغموض، لكن رسالتها واحدة: كلما اقتربنا من أسرار الماضي، نقترب أيضًا من فهم أنفسنا، من مواجهة الخوف، ومن التأمل في القوة الغامضة للتاريخ والزمان.
وهكذا تظل لعنة الفراعنة، رغم كل التفسيرات العلمية، رمزًا خالدًا للغموض الذي يرافق الإنسان منذ أن بدأ يسأل عن الحياة، الموت، والسر الذي يخفيه الزمن.
نقلاً عن : الجمهور الاخباري

تعليقات